ما الذي يُخطئ الغرب في فهمه عن العراق؟
على مدار عقدين، روت وسائل الإعلام العالمية قصة واحدة فقط.
إليكم ما فاتهم.
- محي الانصاري - رئيس مركز الرشيد للتنمية
- 30- 05 - 2025
اسأل الشخص الغربي العادي عن العراق، وستحصل على صورة نمطية متكررة: مدن مدمرة، ميليشيات مسلحة، ومواطنون يختبئون خوفاً. الرسالة واضحة—العراق دولة فاشلة. خطيرة. لا تصلح للعيش. نادراً ما تعكس العناوين الإخبارية، وتقارير السياسة الخارجية، والروايات الإعلامية الواقع الفعلي على الأرض، بل ترسم صورة قديمة ومسطحة. ورغم أن العراق لا يزال يواجه تحديات جسيمة، إلا أن البلاد أيضاً مليئة بالحركة، والإبداع، والطموح. ومع ذلك، نادراً ما تعبر هذه الحقائق حدودنا، فضلاً عن أن تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. العراق أكثر تعقيداً—وأكثر أملاً—مما يتصوره العالم.
فلماذا إذن تبدو صورة بلدنا في الخارج مشوهة ومنفصلة عن الواقع الذي نعيشه؟
لأن الآخرين تحدثوا عنا، أو تحدثوا فوقنا، لأكثر من عقدين. لقد حصر الإعلام أمة كاملة داخل كبسولة زمنية من الحرب والفوضى.
ففي عام 2024 وحده، استورد العراق سيارات يابانية بقيمة تزيد عن 700 مليون دولار. الحياة هنا مليئة بالحركة. مليئة بالألوان. يزدحم شارع المتنبي حتى منتصف الليل، يتصفح الناس الكتب، يشربون الشاي، ويتحدثون في السياسة. الأطفال يذهبون إلى المدارس. السياح يزورون الآثار القديمة في أور ونينوى. مستشفياتنا تعمل، جامعاتنا تنشر أبحاثها، ومدننا تنبض بالفن والموسيقى والنقاش.
لكن هذه القصص لا تتماشى مع الرواية السائدة.
جيل ما بعد 2003 في العراق—الشباب الذين وُلدوا بعد سقوط صدام حسين—لم يعرفوا سوى بلد في حالة انتقال. لكنهم لم يرثوا روح الهزيمة. بل ورثوا الطموح. وهم يعيدون تشكيل المستقبل بطرق لا يلاحظها العالم.
الشباب العراقيون لا ينتظرون الحكومة لتنقذهم. إنهم يطلقون شركات ناشئة، ويؤسسون وكالات إبداعية، ويفتتحون مقاهي، ويؤسسون شركات إنتاج سينمائي، ويشقون طريقهم في مجالات مثل التصميم الجرافيكي، وكتابة النصوص، والعلاقات العامة، وتطوير الأعمال. يكاد لا يوجد شاب أعرفه في العشرينات أو الثلاثينات من عمره إلا ولديه حساب على لينكدإن ويبحث بنشاط عن فرص للنجاح، لا للبقاء فقط.
وفي الوقت ذاته، يتوسع المجتمع المدني. المنظمات غير الحكومية والمبادرات الشعبية أكثر نشاطاً من أي وقت مضى. النساء يتقدمن نحو أدوار عامة جديدة. النقاشات حول الصحة، وحقوق الإنسان، والقانون تدخل الخطاب العام. كما يشارك الشباب العراقيون في نظام ديمقراطي هش لكنه حقيقي—وهو أمر نادر في هذه المنطقة.
هذا الجيل الجديد لا يبحث عن هويته في الغرب. بل يتجه إلى الداخل وإلى الأمام. إنهم يحافظون على التراث المعماري العراقي—رافضين الأبراج الخرسانية المملة التي تشبه كل شيء، مفضلين القباب والأقواس التي تعكس عمق ثقافتنا. إنهم يتبنون العملات الرقمية، ويؤسسون منصات تكنولوجيا مالية، ويدفعون العراق ببطء نحو مستقبل غير نقدي.
إنهم يخلقون فضاءات للأفكار الكبرى—مساحات إبداعية، مراكز ثقافية، ومكاتب عمل مشتركة—أماكن يمكن فيها أن يزدهر التفكير النقدي والابتكار. لقد منحهم القطاع الخاص الحرية للعمل، وهم يستغلونها.
ولا يعني ذلك أن التحديات اختفت. لكنها تجعل القصة أكثر تعقيداً. للإعلام الغربي مسؤولية أخلاقية في هذا السياق. تغطيته تؤثر في المساعدات الدولية، والاستثمارات، والسياسات الخارجية. كما تؤثر في الطريقة التي يُعامَل بها العراقيون في الخارج. بل وتؤثر على رؤيتنا لأنفسنا.
الصورة السائدة عن العراق كمكان محطم، يعج بالعنف والشلل، ليست فقط غير دقيقة—بل ضارة. إنها تمحو كرامة وتصميم ملايين الأشخاص الذين يبنون واقعاً أفضل في ظل ظروف صعبة.
العراق اليوم يتحدى الرواية التي طالما هيمنت على صورته في المخيلة العالمية. إنه ليس منطقة حرب مجمدة في الزمن، بل بلد يشهد تغيراً غير متساوٍ لكنه حقيقي—تغيّراً تقوده جيل لم يعرف سوى الحياة بعد الديكتاتورية. التحديات موجودة، لكن التقدم أيضاً. وإذا واصلت وسائل الإعلام الدولية الاعتماد على الصور النمطية البالية، فإنها ستفشل في إدراك أهم قصة تحدث هنا: العراقيون أنفسهم هم من يشكلون مستقبلهم. وقد آن الأوان لتلحق التغطية الإعلامية بالواقع.
