- محي الانصاري - رئيس مركز الرشيد للتنمية
- 2025.11.09
بعد مرور قرنٍ على اعتماد العراق دستوره الأول عام 1925، يطالب جيلي اليوم بأن تلتزم البلاد أخيراً بالقواعد التي وضعتها لنفسها لكنها أخفقت في تطبيقها. فبالنسبة إلى الشباب العراقي، يمثّل الدستور وعداً مكسوراً، ورمزاً لطموحٍ لم يتحقق بعد.
في فعاليةٍ أُقيمت مؤخراً في بغداد بمناسبة مئوية الدستور العراقي، ونظّمها مركز الرشيد للتنمية، اجتمع كبار المسؤولين والمفكرين والباحثين لإحياء ذكرى تأسيس الدولة الدستورية في العراق. غير أنّ الرسالة الأعمق في هذا الحدث لم تصدر عن المنصّة الرسمية، بل جاءت من أصوات الشباب المشاركين. كانت رسالتهم واضحة وبسيطة في مضمونها، جذرية في معناها: على العراق أن يصبح دولةً يحكمها القانون، لا الميليشيات، ولا نظام المحاصصة، ولا النفوذ الأجنبي.
بالنسبة لغالبية العراقيين، تستحضر كلمة “الدستور” مزيجًا من الأمل وخيبة الأمل. فهي تعبّر عن حلم بناء وطنٍ قائمٍ على المواطنة والعدالة، لكنها تذكّر أيضاً بفشل كلّ جيلٍ من القادة في تحقيق هذا الحلم. فمنذ تأسيس الدولة الحديثة، نادراً ما استندت السلطة في العراق إلى مؤسساتٍ حقيقية؛ إذ احتكرتها النخب السياسية الضيقة، والجماعات المسلّحة، والرعاة الخارجيون الذين تعاملوا مع الدستور بوصفه توصيةً أخلاقية لا عقداً قانونياً ملزماً.
هذا الواقع المتكرر ولّد وعياً جديداً بين الشباب العراقي، وعياً مدنياً ناضجاً أدرك – عبر تجارب مؤلمة – أنّ السيادة الوطنية لا تُصان بالشعارات، بل بسيادة القانون، وأن استقلال القضاء لا يتحقق إلا بفصله الكامل عن الحسابات السياسية. لقد تعلّم هذا الجيل، من خلال النضال والملاحظة، أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة الدستور وتطبيق أحكامه دون استثناء أو انتقائية.
وأكّد المشاركون في فعالية المئوية أنّ العراق لا يحتاج إلى دستورٍ جديد، بل إلى تطبيق الدستور القائم. فوثيقة عام 2005 تضمن على الورق الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والمواطنة المتساوية، غير أنّ هذه المبادئ تُنتهك في الواقع بشكلٍ ممنهج. فالدستور موجود، لكن تطبيقه غائب، والمؤسسات التي يفترض أن تحميه باتت في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلة لا من الحل.
الحركات الشبابية والمنظمات المدنية في العراق اليوم لا تدعو إلى ثورةٍ، بل إلى إصلاحٍ مؤسسيٍ حقيقي. فهي تطالب بمؤسساتٍ تعمل بفاعلية، لا بشعاراتٍ جديدة؛ وبقضاةٍ مستقلين، لا خاضعين للترهيب أو الإملاءات؛ وبقوانينٍ تُطبَّق على الجميع، لا على الضعفاء فقط. إنهم يريدون دولةً تُحاسِب من يخطئ في السلطة، لا دولةً تحميه. وتعبّر هذه المطالب عن نضجٍ سياسي متزايد لدى الجيل الجديد، الذي أدرك أنّ بناء الدولة لا يتحقق بالعنف أو الولاءات، بل بالمحاسبة والشفافية والمواطنة الفاعلة.
لقد مثّلت مئوية الدستور إعلاناً مدنياً للنوايا. ففي الجامعات، والمنظمات غير الحكومية، والمنتديات العامة، يُعيد الشباب العراقي تعريف الوطنية على نحوٍ جديد؛ لم تعد الوطنية تعني الولاء لطائفةٍ أو حزبٍ أو جهةٍ خارجية، بل التزاماً راسخاً بسيادة القانون والدفاع عن مؤسسات الدولة. إنهم يرفضون الفكرة القائلة إن الولاء لفصيلٍ أو لقوةٍ أجنبية يحدّد هوية المواطن، ويؤكدون أن الانتماء الحقيقي هو للدولة وللدستور الذي يجسّدها.
أما مركز الرشيد للتنمية، الذي أتولّى قيادته، فيعمل على ترسيخ هذا الوعي وتعزيزه من خلال برامج وورش عمل وتدريبات موجهة للطلبة والنشطاء والموظفين العموميين. تهدف هذه البرامج إلى دمج الثقافة الدستورية في الحياة المدنية وتعليم الشباب كيف يراقبون أداء المؤسسات العامة، ويطالبون بالشفافية، ويُسائلون المسؤولين عن قراراتهم. نحن نسعى إلى تحويل الدستور من نصٍّ أكاديمي جامد إلى ممارسةٍ يومية تُبنى عليها المواطنة الفاعلة.
إن الأزمة الدستورية في العراق ليست شأنًا قانونياً فحسب، بل هي صميم الصراع حول من يملك الموارد، ومن يُطبق العدالة، ومن يتحدث باسم الدولة. فعندما تتحرك الميليشيات دون عقاب، وتُسيّس المحاكم، ويُختزل القانون في أداةٍ لخدمة السلطة، يكون الدستور هو الخاسر الأكبر – ومعه يضيع مبدأ المواطنة المتساوية الذي قامت عليه الدولة الحديثة.
لكن الجيل الجديد يدرك هذه الحقيقة تماماً. فحركته ليست ضد الدولة كما يحاول البعض تصويرها، بل هي دعوة من أجل دولةٍ حقيقية – دولةٍ تمتلك مؤسساتٍ قوية قادرة على حماية المواطنين وتطبيق القانون بعدالةٍ على الجميع. قبل مئة عام، نصّت المادة الثانية من الدستور العراقي لعام 1925 على أن “العراق دولةٌ ذات سيادة، مستقلة وحرة”. واليوم، بعد قرنٍ من الزمن، يطالب الشباب العراقي قادتهم بأن يجعلوا تلك الكلمات واقعاً ملموساً لا عبارةً منسية في وثيقةٍ تاريخية.
إنهم يدركون أن البديل عن الحكم الدستوري هو الفوضى، وأن العراق لا يستطيع تحمّل قرنٍ آخر من الفساد والانقسامات والارتهان للخارج. فالدستور، مهما بلغت قوته على الورق، لن يدافع عن نفسه. إنه بحاجةٍ إلى جيلٍ يؤمن به ويدافع عنه عبر المشاركة المدنية، والتعليم، والمساءلة العامة.
وإذا كان القرن الثاني للعراق سيختلف عن الأول، فسيكون ذلك لأن شبابه أصرّوا على أن يصبح الدستور أخيراً المرجع الأعلى للحكم، وأن تُترجم مبادئه إلى واقعٍ يعيشه المواطن لا شعاراتٍ تُرفع في المناسبات. إن معركتهم ليست ضد الدولة، بل من أجل الدولة التي حلم بها المؤسسون قبل مئة عام – دولةٌ ذات سيادة، مستقلة وحرة.
