العراق على حافة التوازن: الحفاظ على الحياد في منطقة منقسمة

العراق على الحافة: يحافظ على الحياد في منطقة منقسمة

منذ أكتوبر 2023، تحاول العراق تجنّب الانجرار إلى الصراعات بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وإيران. تستخدم الحكومة دبلوماسية حذرة للحفاظ على الحياد، وتقليل العنف، وحماية سيادة البلاد.

بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وجدت العراق نفسها في موقف بالغ الحساسية، عالقة بين قوى دولية وإقليمية كبرى. لم تعد العراق مجرد ساحة محتملة للصراع بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبحت اختبارًا يوميًا لكيفية الحفاظ على التوازن بين الدولة العراقية والجماعات المسلحة، وبين الاستقلال الوطني والانجرار إلى صراعات خارجية.

في بغداد، تبنّى القادة ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية الحافة – وهي استراتيجية حذرة تهدف إلى منع البلاد من الانزلاق إلى صراع شامل، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات قوية مع إيران ودول الجوار العربية.

إدارة الأزمة… لا الانخراط فيها:

رغم الهجمات المتكررة على القواعد الأمريكية داخل العراق وردود الفعل القوية أحيانًا من واشنطن، بذلت الحكومة العراقية جهودًا كبيرة لتهدئة الأوضاع. لم تتجه نحو مواجهة مباشرة، لكنها في الوقت ذاته لم ترضخ لضغوط الجماعات المتشددة التي دعت إلى تصعيد أكبر ضد الوجود الأمريكي.

وعوضًا عن ذلك، أرسلت بغداد رسائل واضحة وهادئة مفادها أن العراق لا يريد أن يكون ساحة لحروب الآخرين. دافعت الحكومة عن السيادة العراقية وسيادة القانون، بل ذهبت أبعد من ذلك بممارسة ضغوط على الجماعات المسلحة الموالية لإيران داخل البلاد، بما في ذلك اعتقال أفراد وصفتهم وسائل الإعلام الرسمية بأنهم “خارجون عن القانون”.

لكن هذا المسار لم يكن سهلًا، فالعراق لا يزال يعاني من انقسامات داخلية عميقة، وهناك مراكز قوى متعددة – رسمية وغير رسمية – تتحكم بأجزاء من النظام السياسي. وهذا ما يجعل العراق ساحة مشتركة للقوى الكبرى والجماعات غير الحكومية.

المبادرة بدلًا من ردّ الفعل:

في الأشهر الأخيرة، لم تكتفِ العراق برد الفعل على الأحداث الإقليمية، بل اتخذت خطوات حقيقية لإظهار نفسها كدولة ذات دور مستقل في المنطقة. فقد شاركت في القمة العربية في البحرين، واتخذت موقفًا متوازنًا وواضحًا من القضايا الإقليمية. دعمت حقوق الشعب الفلسطيني دون أن تصطف بالكامل مع “محور المقاومة”، ودون أن تنخرط أيضًا في خطاب التطبيع مع إسرائيل.

كما أعادت العراق فتح قنوات التواصل مع سوريا، وهي خطوة تتماشى جزئيًا مع مصالح إيران، لكنها في الوقت ذاته تعكس رغبة العراق في الحفاظ على هامش من الاستقلالية. وقد لاقت هذه الخطوة رفضًا من بعض الجماعات المقربة من طهران، التي خشيت من تقليص نفوذها التقليدي في الشأن السوري.

التحدي الأكبر: السيادة مقابل النفوذ المسلح

يبقى التحدي الأصعب أمام العراق اليوم هو كيفية الحفاظ على سيادته الوطنية في ظل وجود جماعات مسلحة داخل البلاد تتبع أجندات خارجية. فهذه الجماعات تحد من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الخارجية، وتحوّل كل تحرك دبلوماسي إلى ساحة صراع داخلي.

ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى تهدئة التوتر مع الولايات المتحدة، تواجه هجمات من جماعات مدعومة من إيران تتهمها بالتساهل أو التواطؤ. وهذا يضع القيادة العراقية بين ضغط خارجي شديد، وتوازنات داخلية هشة.

مساحة للتنفس:

السياسة الخارجية للعراق منذ أكتوبر 2023 ليست مجرد ردود فعل على الأزمات، بل محاولة – صغيرة لكنها حقيقية – لإعادة بناء موقع العراق في الإقليم كدولة فاعلة لا كساحة صراع. وأظهرت الأشهر الماضية أن العراق يمكنه أن يلعب دورًا إيجابيًا في تخفيف التوترات، بشرط أن تتوفر الإرادة السياسية والدعم الكافي.

لكن لتحقيق ذلك، لا بد أن يتحول شعار “العراق أولًا” من مجرد كلمات إلى نهج عملي في اتخاذ القرار. وهذا يتطلب إرادة قوية لحماية السيادة الوطنية، وجهودًا ثابتة لبناء سياسة خارجية ذكية، وعملًا جادًا للحد من تأثير الجهات غير الرسمية التي تحاول جر العراق إلى صراعات إقليمية.فقط عندما تسيطر الدولة العراقية على قراراتها وتعيد تشكيل علاقاتها الخارجية بما يخدم مصالح شعبها، يمكن للعراق أن يبتعد عن حافة النار ويعود لاعبًا جادًا في المنطقة.