شبح عام 1941 لا يزال يطارد العراق.

شبح عام 1941 لا يزال يطارد العراق.

ثورة قصيرة الأمد ضد السلطة البريطانية، أعقبها هزيمة سريعة، تركت أثراً عميقاً في النظام السياسي العراقي وعلاقته بالقوى الخارجية، ضمن حلقة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

أكتب هذا من بغداد، حيث لا يمرّ شهر نيسان بهدوء. فهو يعيد إلى الذاكرة عام 1941، حين أطاح انقلاب قاده رشيد عالي الكيلاني وجنرالات “المربع الذهبي” بالوصي عبد الإله، الموالي للبريطانيين. وبسعيها إلى التحرر من النفوذ البريطاني، واصطفافها إلى جانب دول المحور، دفعت الحكومة الجديدة البلاد إلى الحرب العراقية ـ البريطانية التي استمرت ثلاثين يوماً، وانتهت بإعادة القوات البريطانية تنصيب الوصي في أيار.

هنا، ما زال كثيرون يشيرون إلى تلك الحادثة بوصفها “دگة”، وهي كلمة يستخدمها العراقيون لوصف تصرّف اندفاعي ينتهي بنتائج سيئة. وهذا الوصف يعكس الطريقة التي تُستَذكر بها تلك اللحظة؛ ليس فقط كانتفاضة فاشلة، بل كصدام بين الطموح وسوء التقدير.

كانت تلك الواقعة لحظة مفصلية في تاريخ العراق الحديث. فقد كشفت مشكلة متكررة: محاولات إعلان الاستقلال من دون فهم واضح لموازين القوة اللازمة لحمايته.

في نيسان 1941، ومع اضطراب موازين القوى العالمية بسبب الحرب العالمية الثانية، حاول الكيلاني قلب الوضع القائم ومواجهة النفوذ البريطاني مباشرة. لم يكن الخطأ في مقاومة السيطرة البريطانية، بل في الجهة التي اختار التوجه إليها بعد ذلك. فمن خلال الاقتراب من المحور النازي، راهن على أن الصراع العالمي سيفتح نافذة للعراق. لكن ما حدث هو العكس: اندلعت الحرب العراقية ـ البريطانية، واستمرت أربعة أسابيع ويوم واحد، وانتهت في النهاية بالهزيمة.

كانت النتيجة تعزيز النفوذ البريطاني بدلاً من إضعافه. فقد اصطف العراق مع طرف خاسر، من دون أن يمتلك الوسائل للدفاع عن ذلك القرار أو حماية نفسه من تبعاته. وكانت الخلاصة واضحة حتى في ذلك الوقت: الاصطفاف الخاطئ لا يقود إلى السيادة، بل يجعل الدولة أكثر انكشافاً وتبعية.

لقد قضيت أكثر من عقدين وأنا أراقب العراق وهو يتعامل مع نتائج أنماط مشابهة. ومن هنا، من بغداد، لم يكن السؤال يوماً ما إذا كان النفوذ الأجنبي موجوداً أم لا. كلنا نعرف أنه موجود. السؤال هو: إلى أي مدى يتغلغل داخل النظام؟ وكم مرة تنحني القرارات تحت ضغوط ليست مرئية بالكامل ولا مُعلنة بصراحة؟

ليس سراً أن العراق اليوم انجرف بثبات إلى الفلك الإيراني. لم يكن ذلك نتيجة قرار واحد ومتعمد، بل تطور عبر علاقات سياسية غير متوازنة وصعود جماعات مسلحة تعمل داخل الدولة، بينما تحتفظ بولاءات مرتبطة بإيران.

هذه الجماعات تُعدّ رسمياً جزءاً من بنية العراق، لكنها لا تعمل كقوة وطنية موحدة. فكثير منها يصطف مع طهران أكثر مما يصطف مع بغداد. وهذا بات سمة أساسية لطريقة عمل السلطة في البلاد.

في دوائر صنع السياسة الأميركية، لم يعد يُنظر إلى العراق باعتباره ركيزة مستقرة في المنطقة. بل يُنظر إليه كساحة متنازع عليها، يتشكل النفوذ فيها من الخارج، وتنقسم السلطة في داخلها. وهذا التصور بات يحدد طريقة التعامل مع العراق دبلوماسياً واقتصادياً واستراتيجياً.

وكلفة هذا الموقع باتت واضحة من هنا. تظهر في تراجع الثقة الدولية، وفي تزايد التوتر في علاقات العراق مع شركائه الغربيين، وفي تحول الأراضي العراقية إلى مساحة للمواجهة بالوكالة.

هذا الأمر متجذر بعمق داخل النظام السياسي. فالشلل المتكرر في تشكيل الحكومات ليس نتيجة الخلافات الداخلية وحدها، بل يعكس أيضاً ضغوطاً خارجية تُفسد العملية السياسية. إذ تعمل قوى متنافسة على تشكيل النتائج من خلف الأبواب المغلقة. والقرارات التي يفترض أن تكون سيادية تتأخر، أو يُعاد توجيهها، أو يُعاد اصطفافها بشكل غير معلن.

في عام 1941، تصرف قادة العراق تحت ضغط صراع عالمي أكبر، بحثاً عن موقع مفيد داخله. واليوم، يعمل العراق تحت مجموعة مختلفة من الضغوط، لكن المنطق المحرك يبدو مشابهاً. فالبلد يجد نفسه مرة أخرى وهو يناور بين قوى أكبر، باحثاً بصورة محمومة عن حماية أو نفوذ حيث لا يوجد شيء يمكن التعويل عليه.

في الأيام الأخيرة، طرح التكتل السياسي المهيمن في العراق رئيس وزراء جديداً بعد أسابيع من الانسداد، في وقت تصاعدت فيه الضغوط الخارجية. فقد تحركت واشنطن لتقييد تدفق الدولار إلى العراق، في إشارة إلى تزايد انزعاجها من دور الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران داخل البلاد. وفي الوقت نفسه، دفعت المخاوف الأمنية إلى صدور تحذيرات وعمليات إجلاء جزئية مرتبطة بخطر هجمات الميليشيات.

لم ينشأ أي من هذا عن قرار واحد، بل عبر سلسلة من التفاهمات والتنازلات التي ضيّقت خيارات العراق تدريجياً. فما يبدو براغماتياً في لحظته، غالباً ما يتحول مع الوقت إلى تبعية، فيحاصر الدولة بين قوة عالمية مهيمنة وميليشيات مدفوعة أيديولوجياً ومدعومة من الخارج. المقارنة مع عام 1941 ليست مطابقة، لكنها قريبة بما يكفي لتكون مفيدة. آنذاك، أساء القادة العراقيون قراءة موقعهم، ودخلوا في تحالفات لا يمتلكون القدرة على حمايتها. واليوم، الديناميكية نفسها تعود للترسخ، فتُضعف موقع العراق وتحدّ من خياراته المستقبلية.

من بغداد، تبدو المشكلة واضحة لنا، نحن الذين نعمل من أجل عراق حر وذي سيادة. البلد لا يفتقر إلى الخيارات؛ بل يفتقر إلى الإرادة اللازمة لفرضها. فالذين في السلطة منقسمون، يعملون داخل حدود صنعوها بأنفسهم، بينما يواصل الخط الفاصل بين المصلحة الوطنية والاصطفاف الخارجي التلاشي عن الأنظار.

أما ما إذا كان هذا النمط سيستمر، أو سيفسح المجال لشيء آخر، فذلك سيتوقف على ما سيأتي لاحقاً.