كيف تخلّت المحكمة الاتحادية العراقية عن الدستور؟
تم استبدال الرقابة الدستورية بالولاء السياسي في صميم النظام القانوني العراقي
- محي الانصاري - رئيس مركز الرشيد للتنمية
- 2025.06.30
منذ تأسيسها بعد سقوط صدام حسين، كان يُنظر إلى المحكمة الاتحادية العليا في العراق على أنها حصن للديمقراطية الوليدة في البلاد. أوكلت إليها مهمة حماية الدستور، والتوسط في النزاعات بين فروع الحكومة، والدفاع عن حقوق وحريات المواطنين العراقيين على اختلاف أطيافهم.
لكن خلال العقد الماضي — ومع تسارع مقلق منذ احتجاجات أكتوبر 2019 — تخلّت المحكمة عن دورها الدستوري. أصبحت شيئًا مختلفًا تمامًا: أداة سياسية بيد النخب الحاكمة، تُستخدم لإضفاء الشرعية على الاستبداد، وتقييد الحريات المدنية، وتعطيل العملية الديمقراطية التي أُنشئت لحمايتها.
لقد كانت عملية التحول تدريجية، لكنها واضحة. فمنذ عام 2010، وخاصة في السنوات الأخيرة، أصدرت المحكمة سلسلة من الأحكام التي تكشف عن نمط من التغوّل القضائي والتسييس. كان أبرزها قرارها في عام 2022 بإلغاء قانون النفط والغاز في إقليم كردستان، والذي لم يصدر في سياق نزاع قانوني، بل خلال صراع سياسي على السلطة بين بغداد وأربيل. ومن خلال انحيازها للسلطات الفيدرالية، وفرت المحكمة غطاءً قانونيًا لإعادة الحكومة المركزية السيطرة على عائدات النفط الإقليمية، متدخلة فعليًا في نزاع حزبي.
وفي العام التالي، تدخلت المحكمة في معركة على رئاسة البرلمان. ما كان ينبغي أن يكون طعنًا دستوريًا، تحوّل تحت قيادة رئيس المحكمة القاضي جاسم العميري إلى أداة لترجيح كفة طرف في صراع طائفي بين الكتل السنية والشيعية. وقد بلغ الأمر بالقاضي العميري إلى حد دعوة الأحزاب السياسية للمشاركة في المداولات الدستورية — وهو خرق غير مسبوق لحياد القضاء، يُجسّد انزلاق المحكمة إلى مستنقع السياسة.
لم تكتفِ هذه القرارات بإعادة تفسير الدستور — بل أعادت كتابته. فالأحكام المتعلقة بـ”الكتلة البرلمانية الأكبر” و”الثلث المعطل” صدرت تحت ضغط سياسي هائل، وبنتائج بدت محددة سلفًا. وتزايد انخراط المحكمة في “التشريع القضائي”، حيث ابتدعت حلولًا دستورية لا تملك صلاحية إقرارها. وبهذا تجاوزت ولايتها القانونية، وطمست الخط الفاصل بين السلطتين القضائية والتشريعية.
وقد كانت العواقب وخيمة ليس فقط على العملية السياسية، بل على الحريات المدنية. ففي فبراير 2024، ألغت المحكمة النسخة الأخيرة من قانون حرية التعبير والتجمع السلمي — ما أدخل البلاد في فراغ قانوني. وبغياب إطار تنظيمي، استغلت السلطات هذا الفراغ لقمع الاحتجاجات وإسكات الأصوات المعارضة. وفي خطوة مقلقة أخرى، رفضت المحكمة الطعون المقدمة ضد قوانين الرقابة، والتي تم تمريرها تحت ذريعة “الأخلاق العامة”، مما قوّض المجتمع المدني وحرية التعبير.
وربما كان القرار الأوضح في انحراف المحكمة نحو الاستبداد، هو حكمها في 2023 بتأييد قانون حظر استيراد وبيع الكحول. وهو قرار خالف الضمانات الدستورية المتعلقة بالتعددية الدينية والثقافية، وأظهر اصطفاف المحكمة مع قوى أيديولوجية تسعى لفرض أخلاقيات الأغلبية باسم القانون.
تُشكّل هذه الأحكام مجتمعة صورة قاتمة لقضاء لم يعد فوق السياسة، بل أصبح أداةً في خدمتها. لقد انتقلت المحكمة الاتحادية العليا من حل النزاعات إلى صناعة النتائج السياسية. وأصبحت أحكامها تحمل ثقل سلطة لا تخضع للمساءلة، وتعمل كمؤسسة مساوية في القوة للحكومة — بلا رقابة وبعقيدة سياسية واضحة.
هذه الأزمة في الشرعية لم تمر دون أن تُلحظ من داخل المؤسسة نفسها. ففي واقعة غير مسبوقة، قدّم ستة قضاة عاملين وثلاثة بدلاء استقالاتهم مؤخرًا، مشيرين إلى احتكار القاضي العميري لاتخاذ القرارات، وتحيّزه الفاضح لفصائل معينة. وبعد يوم واحد، أعلن القاضي العميري استقالته، متذرعًا بأسباب صحية. وقد تكون هذه الاستقالات نقطة تحوّل، إما نحو انهيار مؤسسي أوسع، أو تُستغل بشكل ساخر كذريعة لتأجيل الانتخابات الحاسمة بحجة “عدم الاستقرار القانوني”.
من دون قضاء فعّال ومحايد، فإن تجربة العراق الديمقراطية في خطر. فالقضاء الذي يبرّر القمع، ويحصّن النخب الحاكمة من المساءلة، يصبح مكوّنًا أساسيًا من نظام سلطوي. وفي هذا السياق، تفقد الانتخابات معناها، لأنّها لم تعد تُنظّم أو تُشرف عليها جهة محايدة تلتزم بأحكام الدستور.
إن الدعوات لإصلاح المحكمة الاتحادية باتت اليوم جوفاء. فالمشكلة ليست خللًا وظيفيًا بسيطًا — بل هي مشكلة بنيوية. المحكمة، بصيغتها الحالية، لا يمكن إصلاحها. وأي إصلاح سياسي حقيقي لا بد أن يبدأ بإعادة تأسيس المحكمة من جديد، ضمن إطار قانوني يكرّس استقلالية القضاء، ويتيح رقابة برلمانية أو شعبية، ويُحصّنه من الهيمنة الحزبية.
فالديمقراطية من دون قضاء مستقل ليست إلا اسمًا بلا مضمون. ومستقبل العراق لا يتوقف فقط على الانتخابات والدساتير، بل على قدرة مؤسساته — وفي مقدمتها المحكمة الاتحادية — على مقاومة التسييس والحفاظ على استقلالها.
حتى تستعيد المحكمة دورها كحامية للدستور ومدافعة عن الحقوق الفردية، فإن الحديث عن انتقال ديمقراطي في العراق سيبقى مجرد شعار فارغ — بل خطرًا متعمّدًا على فكرة الديمقراطية ذاتها.
