العراق يستعد للأسوأ مع انهيار جهود وقف إطلاق النار
محاصر بين ثلاثة عمالقة، على العراق أن يواجه أخيرًا وهم الحياد وعبء الجغرافيا
- محي الانصاري - رئيس مركز الرشيد للتنمية
- 24-06-2025
بغداد، العراق — في غضون أسبوع واحد فقط، انتقلت العراق من مراقبٍ قلق إلى دولةٍ مكشوفة على خط المواجهة في صراعٍ لم ترغب فيه ولم تتسبّب به. مرة أخرى، تجد البلاد نفسها ليست فقط عالقة في المنتصف، بل مفرغة من الداخل بسبب موقعها الجغرافي والسياسي. إن هشاشة العراق بنيوية، واقتصادية، ووجودية.
العراق محاصر بين ثلاث قوى يُعمّق كل تحرّكٍ منها من فوضى المنطقة: حملة جوية إسرائيلية تدفع المنطقة نحو الهاوية، ميليشيات إيرانية تمارس حرب الوكالة على الأرض العراقية، ووجود أمريكي ساهم في إشعال الأزمة ثم ادّعى لاحقاً أنه وسيط. إنها ليست مجرد فوضى جيوسياسية؛ إنها كارثة شاملة، وبغداد في قلبها.
في الساعات الأولى من يوم 22 يونيو، بدأت الولايات المتحدة عملية “مطرقة منتصف الليل”، وهي حملة جوية منسقة استهدفت منشآت التخصيب النووي الإيرانية الرئيسية في نطنز وفوردو. وبينما تم تصوير العملية على أنها ضربة وقائية أخيرة، فإنها مثّلت تصعيدًا خطيرًا في المواجهة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإيران.
اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن على عجل أمس وردّت عليه طهران بحذر، انهار على الفور تقريبًا. وألغت وابل الصواريخ الإيرانية على بئر السبع والضربات الانتقامية الإسرائيلية أي أوهام بخفض التصعيد. ما كان يُفترض أن يكون هدنة بات الآن يبدو كمقدمةٍ لما هو أسوأ.
وفي ظل هذا الغموض المتزايد، يستعد العراق لتبعات الموقف. فتهديدات طهران بإغلاق مضيق هرمز تحمل تداعيات خطيرة. العديد من شركات الشحن الدولية قامت بالفعل بتحويل مساراتها أو علّقت المرور عبر هذا الممر الحيوي. وإذا نفّذت إيران تهديدها — معطّلةً ممراً ينقل أكثر من 20٪ من نفط العالم — فإن العراق سيكون من أوائل المتضررين، اقتصادياً وسياسياً.
يعتمد شريان العراق الاقتصادي على الخليج. إذ يشكّل تصدير النفط أكثر من 90٪ من إيرادات الدولة، ويُصدّر أغلبه عبر البصرة مرورًا بالخليج العربي. وأي تعطيل، حتى لو جزئي، سيكون ضربةً موجعة:
صادرات النفط: قد يخسر العراق عشرات الملايين من الدولارات يومياً إذا تعذّر عبور ناقلات النفط للمضيق أو ارتفعت تكاليف التأمين إلى مستويات غير مستدامة.
الواردات والتضخم: الموانئ العراقية هي أيضاً منافذ دخول للمواد الغذائية والأدوية وقطع الغيار الصناعية. وأي انقطاع في هذا التدفق سيتسبب في تضخم ونقص في السلع. بدأت الأسواق المركزية في بغداد بالفعل تشهد سلوكيات تخزين مفرط.
ثقة المستثمرين: في الوقت الذي بدأ فيه العراق يستعيد بعض الثقة من المستثمرين الأجانب، دفعت الزلازل الجيوسياسية العديد من الشركات الدولية إلى تعليق أعمالها. وتم تخفيض التصنيف الائتماني السيادي للعراق يوم الجمعة.
وكل ذلك قبل أن تُطلق رصاصة واحدة على الأراضي العراقية.
لكن إطلاق الرصاص قد يكون قريباً.
في الأيام الأخيرة، وُضعت القواعد الأمريكية في الأنبار وأربيل في حالة تأهب قصوى. وتحركت الميليشيات الموالية لإيران علنًا، فيما تواصل الطائرات المسيّرة المجهولة ضرب قوافل قرب الحدود السورية. السفارة الأمريكية في بغداد أجلت الموظفين غير الأساسيين وأصدرت تحذيرًا من السفر من المستوى الرابع: “لا تسافر”.
هذا ليس ضباب الحرب. إنه مقدّمتها.
عانى العراق طويلاً من كونه يُنظر إليه كمجرد مساحةٍ سلبية تُخاض فيها حروب الآخرين. بعد غزو 2003، أصبح ساحة قتال لصراع بالوكالة بين جماعات مدعومة من إيران والقوات الأمريكية. لم تنتهِ تلك الحقبة تمامًا — بل تحوّلت إلى سياسة ومحسوبية وهيمنة ميليشيوية.
والآن، تلوح نذر اشتعالها مجددًا.
طبول الحرب تقرع داخل دولة عراقية هشة. خلال الأسبوع الماضي، عاد الآلاف من العراقيين إلى الشوارع في بغداد والبصرة والناصرية — ليس فقط احتجاجًا على الخطر الجيوسياسي، بل على نفس الإحباطات المتواصلة: انعدام فرص العمل، شبكات الكهرباء المنهارة، والفساد المستشري. لكن هذه المرة، هناك خوف أعمق: أن تُستخدم الحرب ذريعةً لمزيد من القمع.
النخبة السياسية العراقية، المشلولة بالصراعات الداخلية والمرتهنة للداعمين الإقليميين، لم تقدّم سوى اللوم المتبادل والخطابات التلفزيونية. لا توجد استراتيجية أزمة موثوقة. لا لجنة طوارئ وطنية. البرلمان اجتمع مرتين الأسبوع الماضي لكنه فشل في إصدار بيان موحد بشأن السياسة الخارجية، فضلاً عن خطة طوارئ مدنية.
وفي أسوأ السيناريوهات، قد يعود العراق لما كان عليه في ذروة سيطرة داعش — ساحة صراعات متقاطعة، مهجورة من الحلفاء ومفترسة من الجيران.
لا يمكن للعراق أن يغيّر موقعه على الخريطة. لكن يمكنه أن يبدأ في التصرف كدولة ذات سيادة، لا كمنصة لحروب الآخرين:
1. تنويع طرق التجارة: يجب تحويل ممر العراق–الأردن عبر العقبة ومشروع ميناء الفاو الكبير من مشاريع مؤجلة إلى أولويات طارئة. كما يجب إصلاح العلاقات السياسية مع أربيل لإعادة تشغيل مسارات التصدير الشمالية عبر تركيا.
2. بناء احتياطيات استراتيجية: يجب على العراق زيادة مخزونه من الغذاء والوقود والدواء فورًا. لا تزال دروس جائحة كوفيد-19 قائمة: سلاسل الإمداد تنهار بسرعة، وإعادة بنائها تستغرق وقتاً طويلاً.
3. إطلاق دبلوماسية حقيقية: يجب على بغداد التوقف عن لعب دور الوسيط الصامت وبدء امتلاك دبلوماسيتها الإقليمية. يجب أن تمارس وساطة نشطة، ليس فقط بين طهران وواشنطن، بل أيضاً مع الرياض وأنقرة وحتى تل أبيب. لا يمكن للعراق أن يكون صديق الجميع إذا كان ذلك يعني أنه ليس أولوية لأي منهم.
4. تأمين الجبهة الداخلية: المتظاهرون ليسوا المشكلة — إنهم نظام إنذار مبكر. على الحكومة أن تتعامل مع الاستقرار الداخلي كمسألة أمن قومي. الإصلاحات الحقيقية لمكافحة الفساد، وليس التعديلات الشكلية في التشكيلة الوزارية، هي المطلوبة. وإلا فإن الشارع قد يصبح خارج السيطرة في وقت الأزمات الإقليمية.
لطالما حاول العراق التوازن بين إيران والولايات المتحدة، متأرجحاً بين الطرفين حسب رئيس الوزراء أو حجم الضغوط. هذه الاستراتيجية باتت اليوم غير قابلة للاستمرار. رياح هرمز ليست مجرد استعارة — بل هي عواصف إعادة ترتيب إقليمي ستجرف كل ما لم يُثبّت بإحكام.
الحياد، عندما يكون مدعومًا بالمقدرة والمصداقية، يمكن أن يكون موقفًا نبيلاً. لكن الحياد المرتبك، الخالي من الاستراتيجية والصلابة، لا يختلف كثيرًا عن الاستسلام.
نافذة السيادة العراقية تضيق. على العراق أن يتكلم. أن يتحرك. ليس لاختيار طرف، بل لضمان أنه سيبقى على الطاولة عندما تمر العاصفة.
